رغم التفوق العسكري الساحق الذي تتمتع به إسرائيل، وحالة الوهن والفرقة غير المسبوقة التي تعيشها الساحة العربية، يبقى السؤال السياسي الأبرز مطروحاً: ما الذي يعيق إسرائيل عن التوسع واحتلال أجزاء واسعة من دول الجوار الهشة كسوريا ولبنان؟
القوة العسكرية الفائقة.. وسؤال التوسع المعلق
يبدو المشهد الإقليمي مهيأً تماماً لتطبيق مبدأ “التوسع المستمر” الذي تتبناه إسرائيل، فميزان القوى العسكرية يميل بشكل ساحق لصالحها، بينما تعيش الساحة العربية حالة من الوهن والفرقة غير مسبوقة، الأوضاع في دول الجوار لا تشكل رادعاً فعلياً؛ فسوريا لا تملك جيشاً يعوّل عليه بعد عقود من نظام الأسد الفاسد، والجيش اللبناني لم ينجح في ضبط الساحة الداخلية أو نزع سلاح “حزب الله”.
الحجر الأكبر.. “العجز البشري” يوقف حلم الإمبراطورية
إن السر الحقيقي وراء توقف التوسع لا يكمن في قوة الردع العسكري للمحيط العربي، بل في قلة المخزون البشري لإسرائيل وعدد سكانها المحدود، الذي يقف حجر عثرة أمام أي توسع أو احتلال إضافي، الدليل على ذلك هو فشلها المستمر طوال السبعين عاماً الماضية في السيطرة الكاملة على بقع جغرافية صغيرة كالضفة الغربية وغزة، وعجزها عن إخضاع أو ترحيل أعداد محدودة من الفلسطينيين العزل، حتى مع الدعم الغربي والأمريكي غير المشروط، فعدد سكان إسرائيل بالكامل، الذي يُقدر بنحو 10.2 مليون نسمة في عام 2026، لا يتجاوز سكان مدينة عربية كبرى، وهذا يجعلها عاجزة عن تحقيق أهدافها الابتدائية، فكيف لها أن تطمح للتحول إلى “إمبراطورية” كهدف نهائي؟
“إسرائيل الكبرى”: حلم يتطلب إخضاع 160 مليون عربي
يبقى حلم “إسرائيل الكبرى”، الذي يروّج له المتطرفون ويستند إلى نصوص توراتية قديمة (وردت في سفر التكوين 15:18)، مجرد طموح يصعب تحقيقه على أرض الواقع، هذه الصعوبة ترجع لسببين جوهريين:
- صعوبة التحكم بالمساحة الجغرافية الهائلة: المساحة التي يُفترض أن تمتد عليها الدولة المزعومة.
- صعوبة إخضاع الكتلة البشرية الضخمة: وهي كتلة بشرية مغايرة دينياً وثقافياً وتعيش بين النيل والفرات.
إن تحقيق هذا الحلم يتطلب إخضاع نحو 160 مليون نسمة موزعين على ست دول عربية (مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق، وشمال السعودية)، هذا المحيط البشري الهائل لا يمكن استيعابه أو السيطرة عليه بجيش قوامه نحو 170 ألف جندي في الخدمة النظامية (مع وجود مئات الآلاف في الاحتياط)، حتى مع إضافة قوات الاحتياط والمرتزقة، فالاحتلال ليس مجرد معركة عسكرية خاطفة أو صواريخ موجهة، بل هو سيطرة إدارية وأمنية مستمرة على مدن وبشر ومساحات شاسعة.
التاريخ يُحذّر: متلازمة “الإفراط الإمبراطوري”
إن تجاهل حقيقة أن مساحة الأراضي المطلوبة تفوق مساحة إسرائيل الحالية بعشرات الأضعاف، يُعد استنزافاً كاملاً للموارد البشرية والمالية، بل هو انتحار عسكري وسياسي يُهدد وجودها، فالتجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية لا يمكنها الصمود طويلاً أمام المجاميع البشرية الكبيرة، ونجاحها يكون مؤقتاً وباهظ الثمن.
أمثلة على متلازمة “الإفراط الإمبراطوري”:
- انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام، العراق، وأفغانستان بسبب الجراح والتكلفة الباهظة.
- هزيمة جيوش نابليون وهتلر في روسيا بسبب المساحة الشاسعة.
- خروج 26 إمبراطورية من مصر، آخرها الاستعمار البريطاني، لصعوبة السيطرة على الكتلة البشرية الضخمة.
حتى تجربة إسرائيل ذاتها تدعم هذا المنطق، فقد اضطرت لإعادة سيناء إلى مصر دون حرب (رغم أنها جزء من حلم ‘إسرائيل الكبرى’)، كما أعادت غزة للفلسطينيين (بعد اتفاقية أوسلو) بسبب الضغوط الداخلية وشعار ‘أخرجوا أبناءنا من عش الدبابير’، يدرك قراء التاريخ أن الدول التوسعية تسقط عندما تتمدد أكثر من طاقتها البشرية، وهو ما يُعرف في العلوم السياسية بمصطلح **”الإفراط الإمبراطوري”**.
الخلاصة: “ثكنة عسكرية” أم “إمبراطورية”؟
الخلاصة هي أن إسرائيل ستظل في أفضل حالاتها مجرد “ثكنة عسكرية” منيعة يصعب اختراقها، لكنها عاجزة عن التمدد خارج أسوارها بسبب طاقتها البشرية المحدودة، إن بقاء هذا الكيان يعتمد على تركيز قوته (البشرية، العسكرية، والاقتصادية) في مساحة صغيرة، وليس تشتيتها على مساحة كبيرة.
وبالتالي، فإن حلم “إسرائيل الكبرى” سيبقى حبيس الكتب التوراتية والنبؤات القديمة، أما “إسرائيل الصغرى” فستبقى قائمة إلى أن يطغى فيها صوت النبوءة والخرافة على صوت العقل والسياسة، وحينها ستبدأ حتماً رحلة الانهيار والاختفاء، كما حدث مع عشرين إمبراطورية سبقتها واستعمرت بيت المقدس وأراضي فلسطين.

