تظل قصيدة «السبيتار» للشاعر الراحل عويضة بن حمزان، نصاً استثنائياً يتجاوز كونه مجرد أبيات شعرية؛ فهي سيرة وجدانية نادرة كُتبت قبل أكثر من سبعة عقود، لتوثيق لحظة فارقة يتقاطع فيها ألم الجسد مع لوعة الاغتراب، وصدمة الإنسان البدوي أمام أدوات العصر الحديث في بدايات نهضة المملكة الصحية.
وفي إطار اهتمام “أخبار السعودية” اليوم الأحد 22 مارس 2026 بتوثيق التراث الأدبي، نستعرض معكم القصة الكاملة لهذا النص الذي تحول إلى أيقونة في ذاكرة الشعر الشعبي، وكيف استطاع الشاعر أن ينقل مشاعر العزلة من داخل أسوار مستشفى الطائف القديم إلى رحاب جبال نجران.
| المصطلح القديم | المعنى الحديث | الأصل/السياق |
|---|---|---|
| السبيتار | المستشفى | تحوير محلي للكلمة الإنجليزية (Hospital) |
| التخاتر | الأطباء | جمع (دكتور) بلهجة أهل البادية قديماً |
| الهوجاس | التفكير العميق والقلق | مصطلح شعري يعبر عن هواجس النفس |
| مضنونه | الشخص الغالي أو المحبوب | تعبير عن شدة التعلق والحنين |
كواليس النص: من مستشفى الطائف إلى جبال نجران
صاغ ابن حمزان هذه الدراما الشعرية من داخل مستشفى مدينة الطائف، الذي كان يُعرف آنذاك بـ “السبيتار”، لم يكن المكان بالنسبة له مجرد صرح للعلاج، بل كان فضاءً للعزلة القسرية التي أشعلت في قلبه “الهوجاس” والحنين لمسقط رأسه في نجران، وهو ما ظهر جلياً في استهلاله المليء بالقلق:
البارحة أمسيت ليلي بالسهر قالي
هوجست ثم انتوى قلبي بمضنونه
مضنون عيني غدى من دونه جبالي
يا خوفتي من هل العدة يضدونه
وانا بعيدٍ ولا تنتاشه حبالي
والبدو ما عادهم للخط يقرونه
مادمت فوق السرير فضيق بالي
والقلب كنهم بحر الضو يكوونه
تعكس هذه الأبيات “عزلة مزدوجة”؛ فالمسافات الجغرافية وعجز وسائل التواصل في ذلك الزمن (حيث الرسائل نادرة والأمية سائدة) ضاعفت من وطأة المرض على نفس الشاعر.
**media[2680805]**
سر التسمية: لماذا “السبيتار”؟
استخدم الشاعر مفردة “السبيتار” وهي اللفظة التي كانت شائعة في الجزيرة العربية قديماً، وهي تحوير محلي للكلمة الإنجليزية (Hospital)، ومع دخول المؤسسات الصحية الحديثة، تلاشت هذه المفردة لتحل محلها “مستشفى” و”مستوصف”، ويصف الشاعر شعوره بالاختناق داخل هذا المكان قائلاً:
وسط السبيتار ما قلبي بمتشالي
والباب من دوني العسكر يصكونه
هنا يتحول المستشفى في عين الشاعر إلى ما يشبه السجن، حيث “العسكر” والأبواب الموصدة ترمز للقيود التي تحول بينه وبين حريته في الفضاء المفتوح.
**media[2680804]**
فلسفة الشفاء: بين “التخاتر” والقدرة الإلهية
في لفتة تعكس عمق الإيمان والتوكل، يفرق ابن حمزان بين الأخذ بالأسباب واليقين بالخالق، فبالرغم من وجوده بين الأطباء (الذين أسماهم “التخاتر” جمع دكتور)، إلا أنه يرفع صوته بالدعاء بأن يمنّ الله عليه بالشفاء الذي يعجز عنه البشر:
يالله أنا طالبك يا ربنا العالي
تعطي دواء ً ان التخاتر ما يسوونه
استعادة الهوية: الحنين إلى قبيلة “آل منصور يام”
ينتقل الشاعر من ضيق الغرفة إلى سعة الذاكرة، مستحضراً تفاصيل حياة البادية وقوة قبيلته “آل منصور يام”، حيث يرى في الشفاء تذكرة عودة إلى مجتمع الفروسية والكرم:
- الرفقة والبطولة: “اروح بين الرفاقة كل عيالي.. كل أبلجٍ في نهار الهوش يطرونه”.
- الهيبة والمنعة: “اسلاحهم للعدو بارود واسلالي.. وعدوهم في الملاقى تسهر عيونه”.
**media[2680803]**
البادية.. فلسفة البقاء والنقاء
يرسم ابن حمزان لوحة حية للحياة اليومية في البادية، بعيداً عن صخب المدن وضجيج المستشفيات، حيث الصيد والاجتماع على “الضو” وسقيا الحلال، وهي تفاصيل كانت تمثل له الصحة الحقيقية مقارنة بجدران المستشفى الباردة:
لي راح قناصهم ثم شرّف العالي
يضوّي التيس لامن طالت قرونه
حضّوا عليه الجماعه يابري حالي
شي طبيخٍ وشي بالضو يشونه
**media[2680801]**
الخاتمة: انتصار الروح على الوجع
تنتهي رحلة القصيدة بالعودة إلى نقطة الارتكاز الأولى؛ وهي “الحنين الخالص”، لقد نجح عويضة بن حمزان في تحويل معاناته الشخصية إلى إرث ثقافي يثبت أن الانتماء للجذور هو العلاج الحقيقي لغربة الروح، وتظل قصيدة “السبيتار” ليست مجرد رثاء للحال، بل هي وثيقة تاريخية وإنسانية تعكس قيم الشهامة والوفاء، وتظل مرآة لثقافة أصيلة تمزج بين عزة النفس ورقة الوجدان.
الأسئلة الشائعة حول قصيدة السبيتار
من هو صاحب قصيدة السبيتار المشهورة؟
هو الشاعر عويضة بن حمزان من قبيلة آل منصور يام، وقد كتبها أثناء رحلة علاجه قبل نحو 70 عاماً.
ما معنى كلمة “التخاتر” التي وردت في القصيدة؟
كلمة “التخاتر” هي جمع “دكتور” بلهجة أهل البادية قديماً، حيث كانوا يحورون الكلمات الأجنبية لتناسب نطقهم المحلي.
أين يقع “السبيتار” الذي ذكره الشاعر؟
يقصد به مستشفى مدينة الطائف في ذلك الوقت، حيث كان يتلقى العلاج بعيداً عن دياره في نجران.
المصادر الرسمية للخبر:
- دارة الملك عبدالعزيز
- وزارة الثقافة السعودية


